محمد عبد المنعم خفاجي
18
الأزهر في ألف عام
عنه ، فمن ثبت عنده رأي من آراء الأئمة أو الصحابة جاز له تقليده والعمل بمقتضاه ، لا فرق بين إمام وإمام ، ولا بين الأربعة وغيرهم ، ولهذا يقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام « لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة ، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده ، وفاقا ، وإلا فلا » ، ويقول أيضا « إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم تجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله » ، ومن هنا يقول القرافي : « انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر ، وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ، ويعمل بقولهما من غير نكير ، فمن ادعى دفع هذين الإجماعين فعليه الدليل » أه ، هذا هو أصل الفكرة فانظروا كيف حرفت وجعل التقليد خاصا بالمذاهب الأربعة ، بل جعل واجبا يذكر تبيين ما يجب على المكلف أن يدين به ويعتقده ، فيقول بعض المؤلفين في منظومته : « وواجب تقليد حبر منهم » . ورث الأزهر أيضا فكرة أن من قلد إماما من الأئمة الأربعة فليس له أن يحيد عنه ، بل يجب عليه أن يلتزمه بدون حجة ولا بحث وراء دليل ، ولا يصح أن يقلد غيره ولو في غير ما قلده فيه ، ومذكرة الثلاثة التي أشرنا إليها قد تأثرت بهذه الفكرة أيضا ؛ فأوجبت على القاضي أن يحكم بمذهبه ، وحظرت عليه أن يحكم بغيره ، وذلك على الرغم من أن علماء الأصول يقولون في هذه المسألة « والأصح أنه لا يلزم ، إذ لا واجب إلا ما أوجبه اللّه ورسوله ، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده في دينه وفي كل ما يأتي ويذر دون غيره » . ورث الأزهر أيضا القول بحرمة تتبع رخص المذاهب حتى جعلوا عدم تتبع ذلك شرطا في صحة تقليد غير الإمام ، وصاحب التحرير يقول أيضا في هذه المسألة : « ولا يمنع منه مانع شرعي » إذ للإنسان أن يسلك الأخف